أستاذة… حتى إشعار آخر

هذا المقال ليس صدى صوت، ولا مرآة تنقل همًّا عابرًا. إنه شهادة موثّقة، كُتبت من واقع الاطلاع المباشر على عقود عمل أُبرمت مع معلمات في مدارس خاصة. عقود تُصاغ بعبارات قانونية ملساء، لكنها تُخفي تحت سطورها شقوقًا من الظلم الناعم، حيث تُعامل المعلمة لا كمربية أجيال، بل كموردٍ قابل للزوال، يُستقدم عند الحاجة ويُطوى مع الإهمال.
معظم هذه العقود لا تتجاوز مدتها عشرة أشهر. العام الدراسي ينتهي، ومعه ينتهي الاستحقاق، وكأن دور المعلمة موسميٌ لا يمتد إلى الإجازة، ولا يستحق الراتب إلا ما دامت السبورة تقرع. أي كرامة وظيفية تلك التي تتوقف مع جرس نهاية الفصل؟
في تناقض فجّ، تُدرج الإجازة الفصلية المعتمدة رسميًا في تقويم وزارة التعليم على أنها “إجازة غير مدفوعة بطلب من المعلمة”. فتصبح الراحة المستحقة اتهامًا ضمنيًا بالتقصير، وتُجرد من معناها كحق، وتُقدَّم كمنحة مشروطة.
وتأتي البنود “المرنة” لتثقل الكفّة أكثر. أحد أكثرها إثارة للقلق هو بند التنقل: تمنح فيه المدرسة لنفسها الحق في نقل المعلمة لأي فرع داخل المملكة “حسب الحاجة”، دون شرط الموافقة. للوهلة الأولى يبدو هذا البند إداريًا اعتياديًا، لكنه في حقيقته التفافٌ ناعم على الإجبار. فمن ذا الذي يقبل أن يُنتزع من مدينته، ويُدفع للعمل في منطقة بعيدة براتب لا يغطي نفقات المعيشة والتنقل؟ هو ليس نقلًا، بل إزاحة مُقنّعة تُدفع بها المعلمة إلى فسخ العقد “بإرادتها”، فتُحمّل وحدها وزر القرار وتُجرد من حقوقها.
يُضاف إلى ذلك بند المهام المفتوحة، حيث تُسند إلى المعلمة واجبات إضافية “حسب حاجة العمل”، دون تحديد أو سقف، مما يفتح الباب على مصراعيه للتكليف غير المحدود والاستغلال غير المنصف.
أما في نهاية الطريق، فهناك مفارقة حادّة: جهة العمل يمكنها إنهاء العقد بإشعار مبهم أو بشبهة “قصور جوهري”، دون تعويض أو مكافأة. أما المعلمة، فإن قررت الرحيل، فعليها دفع تعويض يعادل مدة العقد المتبقية كاملة على ألا يقل عن شهرين، مع احتمال فقدان مستحقاتها أو شهادتها الوظيفية.
وفي نهاية كل عام دراسي، تتكرر مشاهد القسوة بهدوء إداري منظم. تُستدعى المعلمات لجلسات “تحقيق”، تُسجل فيها ملاحظات ومخالفات مفاجئة، يُراد بها فقط استيفاء شروط المادة 80 من نظام العمل، التي تتيح الفصل دون مكافأة. هكذا يُختتم عام التعليم، لا بشكر وتقدير، بل بملف وظيفي مثقل بالملاحظات، وباب يُغلق دون إنصاف.
والمفارقة المؤلمة، أن كثيرًا من هذه العقود بكل ما فيها من خلل صريح ومخالفات صامتة لا تصمد أمام المشرّع ولا أمام القانون والدوائر القضائية المتخصصة لدينا، لكنها تصمد أمام الخوف، والتعب، والانهاك النفسي الذي يُثقل كاهل المعلمة. هي تدرك أن القانون إلى جانبها، لكنها تدرك أكثر أن معركة التقاضي ليست فقط في النصوص، بل في أعصاب منهكة، ووقت لا يُمنح، وموارد لا تُتاح.
ولذلك، تغض كثير من المعلمات الطرف، لا عن ضعف حجة، بل عن كلفة المواجهة التي تفوق أحيانًا القدرة.
إن ما يحدث لا يمكن تبريره باللوائح، ولا تسويغه بالإجراءات. بين قاعة الدرس وصفحات العقد، تقف المعلمة في مواجهة رب عمل يتجاهل رسالتها، ويحمّلها أعباء لا تليق بمقامها. نحن لا نطلب امتيازًا، بل عدالة. لا نبحث عن مزايا، بل عن حفظ الكرامة.
فمن يُربّي الأجيال، لا يجوز أن يُربَّى على الخوف. ومن تكتب على السبورة، لا تستحق أن يُكتب اسمها على قرار فصل بلا مبرر.
نُشر هذا المقال أولاً على منصة X. تابعني هناك ليصلك الجديد في الموارد البشرية والإرشاد المهني.