ودهم تعمل كشريك… وتتقاعد كمتسول

منذ متى أصبح الحق عبئًا؟ وهل باتت العدالة التعاقدية تُوزن بميزان الربح والخسارة؟ كيف يستقيم أن تتحوّل نهاية الخدمة، وهي خلاصة سنوات العطاء، إلى “تهديد” لاستدامة الشركات؟ هل المطلوب من الموظف أن يدفع ضريبة فشل المنشأة في التخطيط؟ وهل تُقاس جدوى الالتزام الأخلاقي بميزانية نهاية العام؟ أي بيئة عمل هذه التي تعيد تعريف الحقوق حين تصبح مكلفة؟ ثم أي استثمار هذا الذي يُبنى على هدر الحقوق لا احترامها؟
بهذه الأسئلة وغيرها، نقف أمام طرح يستحق التوقف، لا لوجاهته، بل لما يثيره من إشكالات في جوهر العدالة وسلامة المنطق، كما ورد في مقال الدكتور محمد أبو الجدايل حول مكافأة نهاية الخدمة.
قرأت باهتمام المقال المنشور في صحيفة “عكاظ”، وقد راعني الطرح الذي قدمه، والذي انطلق من فرضية خاطئة مفادها أن مكافأة نهاية الخدمة تشكل عبئًا على المنشآت. إن هذا الطرح، وإن بدا في ظاهره دفاعًا عن استدامة القطاع الخاص، إلا أنه في جوهره ينطوي على تبسيط مخل، واختزال لحق أصيل أقرّه نظام العمل، وكفله منطق العدالة، ويؤيده كل نظام عادل يوازن بين مصلحة صاحب العمل وحقوق العامل.
مكافأة نهاية الخدمة ليست هدية من الشركة لموظفيها، بل هي التزام قانوني وتعويض مستحق عن سنوات العطاء والالتزام المهني. هي ليست بندًا مفاجئًا في المصروفات كما صوّرها المقال، بل مستحق مالي معروف سلفًا، يمكن التنبؤ به والتخطيط له ضمن المسؤوليات التعاقدية للشركة منذ اليوم الأول لتوظيف العامل. وعليه، فإن أي منشأة تعتبر هذا الالتزام “عبئًا” على استدامتها، تعترف ضمنيًا بخلل إداري أو تخطيطي في إدارتها المالية، وليس في مشروعية المكافأة ذاتها.
ومع ما تم ذكره عن أهمية التخطيط، يجدر التذكير بأن الشركات اليوم تتمتع بمرونة تنظيمية كبيرة في إنهاء العقود، سواء عبر المادة (77) من نظام العمل التي خفّضت تبعات إنهاء العقود مقابل تعويض مالي، أو من خلال الصيغ المرنة في إنهاء العقود محددة المدة وغير محددة. هذه الصلاحيات الإضافية تجعل من الادعاء بأن نهاية الخدمة عبأ غير مبرر، خصوصًا أن النظام منح المنشآت أدوات لتقنين العلاقة التعاقدية وتعديلها عند الحاجة، متى التزمت الأطر النظامية العادلة.
وإذا كان البعض يرى في مكافأة نهاية الخدمة التزامًا ماليًا ثقيلًا، فدعونا ننظر للواقع بحساب بسيط: منشأة توظف موظفًا براتب يبدأ من عشرة آلاف ريال، ويزداد سنويًا بنسبة 3%. بعد عشر سنوات، ستكون ملزمة بدفع ما يقارب 88,000 ريال كمكافأة نهاية خدمة. ولو خصصت المنشأة 6.4% فقط من الراتب الشهري لكل موظف كاحتياطي منتظم، لتمكنت من تغطية كامل المبلغ دون أي ضغط أو مفاجأة مالية. فالحديث إذن ليس عن عبأ مالي، بل عن غياب التخطيط وانعدام الحوكمة.
ولعل أقرب ما يُشبه هذا المقال وطرح كاتبه، هو منطق منشأة تجارية تقوم بتحصيل ضريبة القيمة المضافة من عملائها، لكنها بدلًا من عزل تلك المبالغ جانبًا كما تقتضي الأمانة المحاسبية، تصرفها ضمن مصروفاتها الجارية، ثم تتفاجأ لاحقًا عند موعد الإقرار الضريبي بأنها لا تملك ما تدفعه، فتبدأ بالشكوى من “عبئ الضريبة” وتطالب بتعديل النظام.
الخلل هنا ليس في الضريبة، بل في من أساء إدارتها. وبالمثل، فالمشكلة ليست في مكافأة نهاية الخدمة، بل في من يراها عبئًا لأنه لم يخطط لها من الأصل، ثم يحمّل النظام تبعات سوء تخطيطه.
ولعل ما يسترعي التوقف أيضًا، هو المقارنة التي عقدها الكاتب مع ممارسات دول أخرى، وكأن تلك الدول قد ألغت مكافأة نهاية الخدمة. في الواقع، الدول التي أشار إليها عمدت إلى تحويل الالتزام إلى أدوات تمويل واستثمار مستدامة، كأنظمة التقاعد المبنية على اقتطاعات دورية من صاحب العمل والموظف، لكنها لم تُلغِ مبدأ التعويض، بل أعادت تنظيمه. المشكلة ليست في وجود الالتزام، بل في طريقة تمويله، وهذه مسألة قابلة للمعالجة بوسائل متعددة، دون أن يُمس أصل الحق.
ثم إن غياب مكافأة نهاية الخدمة أو إضعافها لا يخدم استدامة الشركات كما يوحي المقال، بل يضرها على المدى البعيد. الموظف الذي لا يشعر بالأمان الوظيفي، ولا يثق في عدالة شركته، سيكون أسرع مغادرة، وأقل التزامًا، وأكثر ميلًا لتقلبات سوق العمل، ما يؤدي إلى ارتفاع معدل دوران الموظفين، وزيادة تكاليف التوظيف والتدريب من جديد. بل إن الحفاظ على هذا الحق يمثل عنصر استقرار حقيقي للموارد البشرية، وهو ما تسعى إليه أي منشأة مستدامة بالفعل.
ثم لا بد من التأكيد أن مكافأة نهاية الخدمة ليست مالًا فائضًا للرفاهية كما قد يتوهم البعض، بل إن الغالبية العظمى من الموظفين لا يصلون إليها إلا وقد أثقلهم الدين، إما بسبب السعي لتأمين سكن، أو ما تتطلبه الحياة من التزامات تعليم ومعيشة وإعالة أسر. هي بمثابة طوق نجاة في مرحلة انتقالية حرجة من العمر، لا “مكافأة” بالمعنى المترف.
وما يدعو للأسف أن يُصاغ هذا الموضوع وكأنه ملف “إثارة جدل”، في حين أن هناك ملفات أكثر إلحاحًا لمن أراد فعلاً أن يلفت الانتباه إلى اختلالات بيئة العمل. مثلًا: لماذا لا يُفتح النقاش حول صعوبة حصول كبار السن على بوليصة تأمين صحي بعد التقاعد، وكأن المرض يتوقف تلقائيًا عند الستين؟ أو حول تثبيت رواتب الخريجات عند أربعة آلاف ريال في كثير من المنشآت، بغض النظر عن مؤهلاتهن؟ أو حتى حول الفجوة في الأجور بين الجنسين رغم تماثل الكفاءة والمسؤوليات؟ تلك هي القضايا التي تمس حياة الناس فعليًا… وتستحق أن تُناقش.
ختامًا، فإن مكافأة نهاية الخدمة ليست رفاهية يمكن التفاوض حولها، بل هي جزء من العدالة التعاقدية، ومحاولة تصويرها كعبء تهدد استدامة الشركات ما هي إلا إعادة صياغة غير معلنة للعلاقة بين العامل وصاحب العمل، تُفرغها من مضمونها الأخلاقي، وتعيد هيكلتها بما يخدم طرفًا واحدًا فقط.
ومن السهل دائمًا أن نُلقي باللائمة على الالتزامات حين تضيق بنا الحيلة، لكن من الأجدر أن نُعيد النظر في التخطيط، لا في الحقوق، وأن نعالج الخلل من منبعه لا أن نحمّل الموظف كلفة ما لم يقترفه.
فما يهدد استدامة الشركات ليس مكافأة نهاية الخدمة… بل ثقافة تنظر إلى الموظف كرقم في قائمة المصاريف، لا كشريك في البناء.
نُشر هذا المقال أولاً على منصة X. تابعني هناك ليصلك الجديد في الموارد البشرية والإرشاد المهني.