عزيزي الخريج… تجهّز للصفعة الأولى!
هل الخريجون جاهزون لسوق العمل؟ هل يمتلك الخريجون الجدد الحد الأدنى من الجهوزية التي تؤهلهم للانخراط في سوق العمل؟ هل أصبحت مرتبة الشرف، مهما بلغت، تذكرة عبور تلقائية نحو الوظيفة؟ هل يحمل الخريج من السمات الشخصية والفكر المهني ما يكفي لجعل حضوره جاذبًا لأرباب العمل؟ وهل لا تزال السيرة الذاتية وحدها قادرة على فتح أبواب المقابلات وفرص التوظيف؟
ليست هذه الأسئلة نقدًا ولا تشكيكًا في قدرات الخريجين، بل هي أسئلة منطقية وضرورية، كُتب هذا المقال من رحمها، وبدافع الغيرة والمحبة لأبناء وبنات هذا الوطن، وموجّهًا خصيصًا لطلبة الجامعات وخريجيها، بغرض التوجيه والمصارحة.
وإن جاء التعبير بصيغة التعميم أو التغليب، فإني لا أعمم، بل أنقل ما لمسته واقعًا من أحاديث مع مئات الخريجين والخريجات ممن يبحثون فقط عن مسك طرف خيطٍ يدخلهم في الحياة المهنية. نماذج كثيرة، بعضها يفيض حماسةً، وبعضها محبطٌ من أول عتبة، لكن الجامع بينهم أنهم خرجوا من قاعات الدراسة إلى واقع مليء بالتحديات، يختلف في إيقاعه ومطالبه عما اعتادوه، ويتطلب استعدادًا من نوع آخر لا يُكتسب من الكتب وحدها، بل من التجربة والانخراط المبكر.
مرتبة الشرف الجامعية، على أهميتها، لم تعد تكفي وحدها. إنها أشبه بدرجة الثانوية العامة في النسبة الموزونة: حتى لو كانت مكتملة، فإنها لا تعني القبول الجامعي ما لم تتكامل مع اختبارات القدرات والتحصيلي. كذلك مرتبة الشرف، إن لم تكن نتاج فهم حقيقي للتخصص، واستيعاب واسع لأبعاده، فإنها تظل رقمًا أكاديميًا لا يُقنع مديرًا في مقابلة وظيفية، ولا يعكس قدرة على العمل تحت الضغط أو في بيئة متغيرة.
ما يُلفت النظر حقًا أن كثيرًا من الخريجين يدخلون سوق العمل للمرة الأولى بعد تخرجهم، في حين أن الواقع يؤكد أن الانخراط في العمل من أول سنة جامعية هو أكثر نفعًا، وأصدق في بناء شخصية مهنية متماسكة.
العمل أثناء الدراسة الجامعية ليس أمرًا هامشيًا ولا نقيصة يُستحى منها، بل علامة وعي ومبادرة، وفرصة عظيمة لرؤية سوق العمل عن قرب، وربط النظرية بالتطبيق، واكتساب مهارات ناعمة لا تُدرّس، مثل الانضباط، والتواصل، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية.
هذا ما نراه واضحًا في كثير من خريجي الدول التي دفعتهم ظروفهم الاقتصادية إلى الجمع بين العمل والدراسة، فخرجوا بعد التخرج بشخصيات مختلفة، جاهزة، وواقعية أكثر من أقرانهم.
ثم تأتي مرحلة ما بعد التخرج، التي لا تُقاس بما يحمله الخريج من أوراق وشهادات فقط، بل بما يتحلى به من تواضع مهني. لا أقصد التواضع بمعناه الأخلاقي، بل في بعده العملي: ألّا يرفع الخريج سقف استحقاقه إلى مستويات عليا قبل أن يختبر السوق.
من الخطأ أن يظن حديث التخرج أن عليه أن يبدأ من وظيفة بمسمى لامع، أو براتب مرتفع، أو في مدينة يختارها هو.
فالبداية الصحيحة غالبًا ما تكون في منشأة تملك الفرص التي تُعلِّمك، وتُؤسِّسك، وتدفعك لبذل جهد مضنٍ لتتعلم — وإن كانت متواضعة في حجمها أو اسمها — لكنها تمنحك ثِقَلًا معرفيًا حقيقيًا، وتجربة مهنية تُضيف إليك.
تلك التجارب، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، هي الجسر الحقيقي لعبور الأبواب الكبرى لاحقًا.
وإلى حين أن يطرق الخريج الباب المناسب، عليه أن يسلك طريقين في آنٍ واحد.
الأول أن لا ينتظر الوظيفة الرسمية كأنها الطريق الوحيد، بل يبدأ – من حيث هو – بممارسة العمل الحر، بأي وسيلة متاحة، وبأي مهارة يمكن تطويرها. سواء عبر تقديم خدمة بسيطة، أو بيع منتج، أو حتى التطوع في مشروع أو مبادرة، فإن لهذه الخطوات أثرًا حقيقيًا في بناء الثقة، وتنمية المهارات، وكشف المسارات التي لم يكن يدركها من قبل.
ولعل هذه الثقافة بالذات هي ما عززته القيادة الحكيمة في وطننا من خلال دعم التشريعات الخاصة بالعمل الحر، وتنظيمه، وتيسيره من جهة، ومن جهة أخرى، تطوير برامج ومبادرات صندوق تنمية الموارد البشرية "هدف" لدعم الخريجين والباحثين عن وظيفة.
أما الطريق الثاني، فهو إدراك أن سوق العمل اليوم لا يشبه ما كان عليه قبل عشر سنوات. لم يعد إرسال السيرة الذاتية كافيًا، ولا انتظار الرد عبر البريد هو المسار العملي. اليوم نعيش في زمن العلامات الشخصية، زمن من يستطيع أن يقول “أنا هنا” من خلال حضوره الرقمي، لا أوراقه فقط.
وجود حساب محدث واحترافي على LinkedIn لم يعد خيارًا إضافيًا، بل ضرورة. وإن كان ذكر LinkedIn مثالًا بارزًا، فهذا لا يعني إغفال أهمية بقية المنصات المهنية والرقمية، التي تختلف فعاليتها باختلاف التخصص والسوق المستهدف.
المشاركة في المجتمعات المهنية، والانخراط في النقاشات، ونشر التجارب والخبرات – حتى البسيطة منها – هو ما يصنع فارقًا حقيقيًا. فربّ منشور صادق في توقيته وأسلوبه، كان سببًا في لفت نظر مدير توظيف، أو مستشار موارد بشرية، أو شريك محتمل في المستقبل.
ما يؤسفني حقًا هو أن أرى من يُقبل على تغيير تخصصه بعد التخرج، ظنًا منه أن المشكلة في التخصص ذاته، وأن ضيق الفرص أو تأخر التوظيف سببه المجال الذي درسه. غير أن الحقيقة – في كثير من الحالات – ليست في التخصص، بل في طريقة تعاطيه معه، وفي جهده لتوظيفه، وفهمه لطبيعة سوقه، وتطوير أدواته بما يجعله صالحًا ونافعًا في أي ظرف. فكم من تخصص ظنه البعض غير مطلوب، فإذا بمن أحسن استثماره قد رزق منه خيرًا كثيرًا.
لهذا، فإن على الطالب أن يبدأ التخطيط من أولى خطواته في الجامعة، لا من لحظة التخرج، وعلى الخريج أن لا يقيّد مساره بالمألوف والتقليدي فقط، بل أن يُجرب، ويطرق أبوابًا متعددة، ويبحث عن فرصه في فضاءات أوسع من مجرد إعلان وظيفة.
فأول وظيفة نادرًا ما تُمنح لمن يحمل الشهادة وحدها، بل تُمنح لمن امتلك الرؤية، والتواضع، والجهد، والحضور. وأولئك، وإن تأخروا… فلن يُتركوا طويلًا.
إن الفجوة بين الخريج وسوق العمل لا تُردم بالانتقاد، ولا تُختصر بلوم المناهج وحدها. إنها فجوة مركبة، تتطلب وعيًا من الخريج، ومرونة من المؤسسات، وتعاونًا صادقًا بين التعليم وسوق العمل.
لكنها في نهاية المطاف ليست فجوة مستحيلة، بل طريق يمكن عبوره لمن امتلك أدواته، وتواضع في بدايته، وأدرك أن ما يحمله اليوم من شهادة ليس نهاية الرحلة… بل مجرد أول الطريق.
نُشر هذا المقال أولاً على منصة X. تابعني هناك ليصلك الجديد في الموارد البشرية والإرشاد المهني.